نخبة من الأكاديميين
837
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
« تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن » الذي وضح فيه فلسفته للفكرة المذكورة ، مع ضرب بعض الأمثلة التطبيقية ، كما يتجلى ذلك في كتابه « في تحقيق ما للهند من مقولة » الذي قدم فيه تفسيراً علمياً لأصل سهول الهند الممتدة جنوب جبال الهيملايا ، ونستعرض في ما يلي أهم ما في تلك النصوص : أولًا - جاء في مقدمة كتاب « تحديد نهايات الأماكن » حديث تفصيلي عن الزمان وخلق العالم وعمارة الأرض واختلاف أحوال الأرض وطبيعتها ختمها بقوله : « ولا نعلم من أحوالها إلا ما يشاهد من الآثار التي تحتاج في حصولها إلى مدد طويلة وإن تناهت في الطرفين ، كالجبال الشامخة المتركبة من الرضراض الملس ، المختلفة الألوان المؤتلفة بالطين والرمل المتحجرين عليها . فإن من تأمل الأمر من وجهه وأتاه من بابه علم أن الرضراض والحصى هنا حجارة تتكسر من الجبال بالانصداع والانصدام ، ثم يكثر عليها جري الماء وهبوب الرياح ويدوم احتكاكها فتبلى ، ويأخذ البلى فيها من جهة زواياها وحروفها ، حتى يذهب بها فيدملكها ( أي يجعلها كالكرة ) ، وإن الفتات الذي يتميز عنها هو الرمال ثم التراب . وإن ذلك الرضراض لما اجتمع في مسايل الأودية حتى انكبست بها ، وتخللها الرمال والتراب فانعجنت بها واندفنت فيها ، وعلتها السيول ، فصارت في القرار والعمق بعد أن كانت من وجه الأرض فوق ، تحجرت بالبرد ؛ لأن تحجر أكثر الجبال في الأعماق بالبرد ، ولذلك تذوب الأحجار بتسليط النار ؛ فإن ما انعقد بالبرد انحل بالحر ، وما انعقد بالحر انحل بالبرد . وإذا وجدنا جبلًا متجبِّلًا من هذه الحجارات الملس - وما أكثره في ما بينها - علمنا أن تكونّه على ما وصفناه ، وأنه تردد سافلًا مرة ، وعالياً أخرى . وكل تلك الأحوال بالضرورة ذوات أزمان مديدة غير مضبوطة الكمية ، وتحت تغايير غير معلومة الكيفية ، ولها تتناوب العمارة على بقاع الأرض . فإن أجزاءها إذا انتقلت من موضع إلى آخر انتقل معها ( ثقلها ، فاختلف على جوانبها ، ولم تكن الأرض لتستقر إلا بكون مركز ) ( « 1 » ) ثقلها مختلفاً على وضع الأجزاء المنتقلة منها . فلم تكن لتثبت أبعاد البقاع عن المركز على مرور الزمان عليها على مقدار واحد ، فإذا علت أو أفرط تكابس ما حولها ، نقصت المياه وغارت العيون وعمقت الأودية وتعذرت العمارة ، فانتقل أهلها إلى غيرها ، ونسب ذلك الخراب إلى الهرَم ، وعمارة الخراب إلى النشوء والشباب ، ولأجله تصرد جروم وتجرم صرود » ( « 2 » ) . « وعلى مثله ينتقل البحر إلى البر والبر إلى البحر ، في أزمنة : إن كانت قبل كون الناس في العالم فغير معلومة ، وإن كانت بعده فغير محفوظة . لأن الأخبار تنقطع إذا طال عليها الأمد ، وخاصة في الأشياء الكائنة جزءاً بعد جزء ، وبحيث لا يفطن لها إلا الخواص . فهذه بادية العرب وقد كانت بحراً فانكبس ، حتى إن آثار ذلك ظاهرة عند حفر الآبار والحياض بها ، فإنها تُبدي أطباقاً من تراب ورمال ورضراض ، ثم يوجد فيها من الخزف والزجاج والعظام ما
--> ( 1 ) هذه العبارة مكتوبة في الأصل بين السطور بالخط نفسه . ( 2 ) الجروم المناطق الحارة والصرود المناطق الباردة .